ابن أبي العز الحنفي

174

شرح العقيدة الطحاوية

خلقه . بل نفس ما استدلوا به يدل عليهم . فإذا كان قوله تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مخلوقا ، لا يصح أن يكون دليلا . وأما استدلالهم بقوله تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا الزخرف : 3 ، فما أفسده من استدلال ! فإن « جعل » إذا كان بمعنى خلق يتعدى إلى مفعول واحد ، كقوله تعالى : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ الانعام : 1 ، وقوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ الأنبياء : 30 . وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ الأنبياء : 31 . وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً الأنبياء : 32 . وإذا تعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق ، قال تعالى : وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا النحل : 91 . وقال تعالى : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ البقرة : 224 . وقال تعالى : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ الحجر : 91 وقال تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ الاسراء : 29 وقال تعالى : وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الاسراء : 39 . وقال تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً الزخرف : 19 . ونظائره كثيرة . فكذا قوله تعالى إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا الزخرف : 3 وما أفسد استدلالهم بقوله تعالى : نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ القصص : 30 - على أن الكلام خلقه اللّه تعالى في الشجرة فسمعه موسى منها ! وعموا عما قبل هذه الكلمة وما بعدها ، فإن اللّه تعالى قال : فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ القصص : 30 ، والنداء هو الكلام من بعد ، فسمع موسى عليه السلام النداء من حافة الوادي ، ثم قال : فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ القصص : 30 أي أن النداء كان في البقعة المباركة من عند الشجرة ، كما يقول سمعت كلام زيد من البيت ، يكون من البيت لابتداء الغاية ، لا أن البيت هو المتكلم ! ولو كان الكلام مخلوقا في الشجرة ، لكانت الشجرة هي القائلة : يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ القصص : 30 . وهل قال : إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ القصص : 30 ، غير رب العالمين ؟ ولو كان هذا الكلام بدا من غير اللّه لكان قول فرعون : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى النازعات : 24 -